النويري

25

نهاية الأرب في فنون الأدب

وأمره اللَّه ببناء بيت يحاذى البيت المعمور ليطوف به هو وأولاده من بعده كما رأى الملائكة تفعل حول البيت المعمور ؛ فبناه . وقد ذكرنا صفة بنائه في الباب الثاني من القسم الخامس من الفن الأوّل من هذا الكتاب في خصائص البلاد ، وهو في السفر الأوّل ، فلا حاجة إلى إعادته هاهنا . فلنذكر غير ذلك . قال : وسار آدم من موضعه إلى موضع البيت ؛ واللَّه الهادي . ذكر أخذ الميثاق على ذرّية آدم - عليه السلام - قال : وأوحى اللَّه تعالى إلى آدم : أنّى أريد أن آخذ على وديعتي الَّتى في ظهرك الميثاق ، فأحاطت الملائكة بآدم في أحسن صورهم ، فوقعت الرّعدة على آدم من الخوف ، فضمّه جبريل إلى صدره ، واضطرب الوادي وارتجّ ، فقال جبريل : اسكن فإنّك أوّل شاهد على الميثاق الذي يأخذه اللَّه على ذريّة آدم . فسكن ، ومسح اللَّه تعالى على ظهر آدم كما شاء ، وقال : « انظر يا آدم إلى من يخرج من ظهرك » فأوّل من بادر وكان أسرع خروجا نبيّنا محمد - صلَّى اللَّه عليه وسلَّم - فأجاب بالتلبية ونادى إلى ذات اليمين وهو يقول : أنا أوّل من يشهد لك بالتوحيد ، ويقرّ لك بالعبوديّة ، وأشهد أنّى عبدك ورسولك . فهو - صلَّى اللَّه عليه وسلَّم - أوّل الأنبياء في الخلق ، وآخرهم في البعث ، وفى ذلك من الحكمة الإلهيّة والقدرة الربّانيّة ما لم يخف على ذي لبّ وفهم ، وليس هذا موضع ذكر ذلك . ثم أجابت الطبقة الثانية من النبيّين والمرسلين نبيّنا بعد نبىّ في نورهم وبهائهم ، ثم خرجت زمرة من المؤمنين بيض الوجوه ، معلنين بالتوحيد ، فوقفوا دون النبيّين . ثم مسح اللَّه مسحة أخرى فخرج ( قابيل ) بن آدم مبادرا وقد تبعه أهل الشّمال فوقفوا ذات الشّمال كلَّهم سود الوجوه . ثم قيل لآدم : « انظر إلى ولدك هؤلاء